أبي منصور الماتريدي

420

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أمر سهل ، عليه طبع الخلق ، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أنه دونه في الرتبة ، أو شكله ، أو لم يكن بينهم كثير تفاوت اشتدّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع . فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله ، والمستسلم لحقه ، والمتكبر في نفسه ، وهو إبليس . وعلى ذلك الغالب من أتباع الأنبياء عليهم السلام والذين يأبون ذلك ، أن الذي يحملهم على الإباء عظمهم في أنفسهم ، وظنّهم أنهم أحقّ بأن يكونوا متبوعين ، والله أعلم . والوجه الثاني : أن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يخرّج على وجهين : أحدهما : أن يجعل السجود تحية ؛ ألزم الملائكة تحية آدم به ، وهو ابتداء ما أكرم به أصل الإنس ، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أن يأتيهم الملائكة بالتحيات والتحف ، وإن اختلفت أنفس التحيات . وفي ذلك دليل بيّن : أنّ السجود ليس بعبادة في نفسه ؛ إذ قد يؤمر به للبشر ، ولا يجوز الأمر بعبادة غير الله ؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل ، والعبادة به لله كغيره من المعروف ، يصنع إلى الخلق . ومثله أمر سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليه السلام ، والله أعلم . والثاني : أن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه ، وهي الحقيقة لله تعالى ، نحو السجود إلى الكعبة لله تعالى تعظيما له ، وتبجيلا لكعبته ، وتخصيصا من بين البقاع . كذلك أمر السجود لآدم عليه السلام ، تعظيما له وتبجيلا من بين سائر البشر ، كلاهما سيّان . ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو كان يحل لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » « 1 » . ولما جعل السجود في العبادة عبادة للمسجود له ، واعترافا بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم ، ومن يعبدونه من دون الله ؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب ، وذلك

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2 / 453 ) كتاب الرضاع ، باب ما جاء في حق الزوج ( 1159 ) وابن حبان ( 4162 ) ، والحاكم ( 4 / 171 - 172 ) ، والبيهقي ( 7 / 291 ) عن أبي هريرة بلفظ « ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه » واللفظ لابن حبان .